الكتاب العزيز3
قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }النساء82، وقال: الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً }المائدة3
إن آيات الكتاب وحده هي التي يصدق بعضها بعضاً ويبين بعضها بعضاً، ويجب أخذ ذلك في الاعتبار عند محاولة تدبر القرآن، فليس ثمة اختلاف في القرآن، ومن ظن ذلك فإنما هو لخللٍ ما عنده، والآيات التي تعالج أمراً واحدة متكافئة وكل منها يضيء جانباً من جوانب الأمر، وكل ما في القرآن من أحكام وأوامر هي ثابتة ونهائية، فلا نسخ في القرآن، ولا حاجة إلى معرفة تاريخ نزول الآية، ومن العجب أن جامعي المرويات كان قد استقر في أذهانهم نتيجة عوامل الإلحاح والاستهواء والاسترهاب أن المرويات كآيات الكتاب وعاملوها من هذا المنطلق، لذلك لم يدونوا تاريخ كل مروية ولا ما صاحبها من ظروف وملابسات، أما الإعلان عن أن الدين لم يكتمل إلا مع نزول تلك الآية المعلوم في حجة الوداع فهو يعني بالضرورة أن كل المرويات المتعلقة بما قبل ذلك حتى ولو ثبتت صحتها قد لا تدل ولا تتضمن الحكم أو الأمر الديني النهائي، وبذلك يكون أمر تدوين المرويات محسوم تماماً، إنه لا يمكن أن يكون قد صدر أمر بتدوين المرويات تدويناً رسمياً نهائيا بل قد ورد نهي صريح عن ذلك حتى لا تسبب لبساً للمسلمين من بعد واختلافاً فيما بينهم، نعم إنه حدث اختلاف في الدين رغم كل ذلك، ولكن الذي يتحمل مسئوليته هم من عصوا الأوامر القرآنية والنبوية ولا يتحمل مسئوليته لا الرسول ولا السابقون الأولون.
صفات الكتاب
إن كتاب الله تعالى قد تبدت فيه سمات قائله، فأحدية الله تعالى تقتضى أحدية الكتاب وصمديته سبحانه تقتضى تماسكه واتساق آياته مع بعضها البعض، فلا يمكن أن تتعارض آية مع أخرى إذا كانتا تعالجان أمراً واحداً، ومن تصور ذلك فإن تصوره باطل ووهمي، وهذا يعنى أيضاً أن الكتاب يفصل بعضه بعضاً ويبين بعضه بعضاً، وهذا يدحض أيضاً القول بالنسخ بالمعنى الذي اصطلحوا عليه، وهو وجود آيات معطلة الأحكام تتلى ولا يعمل بها، بل إن قولاً كهذا هو من الكفر بكتاب الله تعالى، ذلك لأنه حتى ولو استبعدوا الحكم الوارد في الآية فإنهم لا يمكنهم استبعادها كلها، فما من آية قالوا بنسخها إلا وهي تتضمن أخبارا ومعلومات لا يمكن أبداً نسخها.
ولما كان هذا الكون هو أيضاً بنص الكتاب معرضاً لآيات الله تعالى، ولما كان الكتاب قد أحال الناس إليها واعتبرها وأمر الناس بالنظر فيها وحثهم على فقهها فهذا تكليف واجب، وهذا يعنى أن تلك الآيات هي من مراجع المعرفة الدينية، ذلك لأن هذه الآيات هي آثار السمات الإلهية ومقتضياتها هي والسنن التي تحكمها وتسرى عليها، فكل معرفة بها تؤدى إلى معرفة أفضل وأعمق وأشمل بالأسماء الإلهية، وهذا من لوازم تحقيق المقصد الديني الأعظم الأول، وهو أن يعرف الإنسان ربه المعرفة اللازمة ليكون إنساناً ربانياً صالحا، فالإنسان مطالب بإعمال ملكاته لفقه آيات الكتابين المقروء والمشهود، وهذان الكتابان متاحان للإنسان في كل زمان ومكان، أما مصادر المعرفة الدينية الأخرى فلا يمكن أن تعارض هذين الأصلين، ومنها تلك الآثار المنسوبة إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَr، ولا يوجد نص قطعي الدلالة يلزم الناس باتباع ما نسبه بعض الرواة باجتهادهم إلى الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَr، ولكن الإنسان مطالب بالالتزام بسنة الله تعالى التي ضمَّنها كتابه والتي اتبعها الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَr نفسه وأظهرها وكان منفذاً لها فنسبت إليه، ولقد نص الكتاب بكل صراحة ووضوح على سنن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَr فبيَّن أنه كان يقوم الليل إلا قليلاً ويذكر الله كثيراً ويرتل القرآن ترتيلا وكان يجاهد في سبيل الله تعالى وكان يتزوج النساء وكان يقوم بالقسط ويحكم بالعدل ويتحلى بأعظم الأخلاق ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدعو إلي الخير ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويجعل حياته كلها لله رب العالمين، فمن أراد أن يستن وأن يتأسى بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَr فليبدأ بما ورد في الكتاب فإن تحقق بكل ما فيه وهو لن يفعل فليبحث عن غيره، والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَr لم يأت ليعارض الرسالة التي حملها إلى الناس ولا ليقوض بكلامه الرسالة التي جاهد ليدعو إليها ولا لينال بكلامه من نفسه أو من آيات ربه، ولا ليلزم الناس بعد انتقاله بما رفضه عندما عرض عليه في حياته، وما أتى لكي يجعل لقبيلته السيادة على البشرية جمعاء ولا لكي يلزم الناس إلي يوم الدين بالتقاليد المحلية العربية ولا ليفرض عليهم طرق معيشتهم وملابسهم.
عطاء الكتــاب دائم متجدد
إنه يحلو للكثيرين ترديد ما نقل إليهم من أقوال السلف على أنها حقائق ثابتة دامغة مستغلين في ذلك عواطف ومشاعر الناس دون أن يقدموا برهاناً مبيناً على صحة مزاعمهم، ومن ذلك زعمهم أن القرن الأول كانوا أعظم الناس إدراكاً لمعاني الكتاب العزيز وأن ما قالوه في التفسير هو الحق المحض الصراح، وأنهم لم يدعوا مزيداً لمستزيد، فمن أين أتوا بهذه المزاعم؟ وما هو برهانهم عليها؟ هل ثمة نص قطعي الدلالة يقول بذلك؟ وكيف يمكن أن يحيط جيل واحد في زمن وجيز بكلمات الله تعالى التي لا تتناهى معطياتها؟ ألا يعلمون أنهم بذلك قد كذبوا بالآيات القائلة بأن الآيات ستتكشف للناس شيئاً فشيئاً، وأنهم بذلك قد حجروا واسعاً؟ وكيف يمكن أن يجامَل جيل ما على حساب الكتاب العزيز؟ وهل ثمة إثبات قاطع بأن ما دوِّن بعد حوالي مائتي سنة هو عين ما قالوه؟ إن المبالغات بشأن القرن الأول قد جنت على الأجيال اللاحقة ولم تنتفع بها الأجيال السابقة، وهل يستطيع أحد المتجرين بالدين أن يقنع أي إنسان من غير قطيع المغضوب عليهم بقوله هذا؟ إنه سيفاجأ حتما بمن سيقول له ممن لا يسلم إلا بالأمور الضرورية: ولكن أين هذا التفسير الذي جاء به واحد من أهل القرن الأول والذي لم يترك فيه مزيداً لمستزيد؟ وقد يفاجئه بالقول: "إن أحد التفاسير المعاصرة يتفوق لا محالة على هذا التفسير الذي لا وجود له إلا في خيالك، على الأقل لأنه متاح للناس يستطيعون أن ينتفعوا به وأن يتحققوا مما فيه، ولابد أن هذا المفسر المعاصر قد ألم بما سبق من تفاسير وحاول على الأقل أن يقدمها بصورة هي أنفع للمعاصرين"، ويجب القول بأن عطاء هذا الكتاب دائم ومتجدد وسيظل يرى الناس فيه من الآيات حتى يعرفوها وحتى يتبين لهم أنه الحق وحتى يأتيهم تأويله، ولن يحيط جيل واحد بكل ما فيه من العلوم، أما القرن الإسلامي الأول فلقد كانوا أناساً شرفاء مخلصين وكانوا أقل الناس تكلفاً وأصدقهم فطرة، ولم يزعم أحد منهم أنه أحاط بكل ما في القرآن من العلوم، بل نقل عنهم التوقف حتى عند المعاني المباشرة الظاهرة لكثير من الكلمات، ولقد كان سر نجاحهم هو فى بساطتهم وتواضعهم وعدم تكلفهم، وكذلك في حسن أدائهم للمهام العظمي التي أنيطت بهم.
————
الكتاب تبيان لكل شيء
إن بيان القرآن وتفصيله هو أمر قد تكفل به الله سبحانه، وبالتالي فقد جعل آيات الكتاب مبينة لبعضها البعض ولم يجعل فيها اختلافاً ما وبالأحرى لم يجعل بعضها ناسخاً لبعضها، ولقد علَّم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَr أهل القرن الأول ألا يشتغلوا بما لا يعنيهم وألا يكثروا من السؤال في الأمور الجزئية الفرعية لأن ربهم ما كان نسياً، كذلك نهاهم الكتاب عن ذلك، ولذا فإن السؤال عن أمثال هذه الأمور هو من سوء الظن بالله تعالى ومن سوء الأدب معه وذلك يستلزم عقاباً صارماً ومزيداً من التضييق عليهم، ولقد أمرهم الكتاب بألا يسألوا في نص بيِّـن واضح، ومن الواضح أن شغل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَr الشاغل كان تحقيق مقاصد الدين العظمى وإبلاغ الرسالة، وذلك يستلزم تلاوة آيات الكتاب وتعليمهم إياها وتعليمهم الحكمة وتزكية أنفسهم وبناء الأمة الخيرة التي ستحمل الرسالة إلى الناس أجمعين وتحفظها لهم، والنهى عن السؤال إنما كان لأن أكثر الناس إن فتح لهم هذا الباب لن يسألوا إلا في أمور الحلال والحرام، وبسبب ما ذكر آنفاً فإن مثل هذه الأسئلة تستوجب عقاباً صارماً، وسبب ذلك أيضاً أن السائل عن مثل هذه الأمور سيكشف بذلك عن سوء ظنه بربه، وسيكون مخالفاً لمقاصد الدين العظمى ومنظومة القواعد التشريعية التي تؤكد على جعل الدين يسراً وتضع الحرج والإصر والأغلال عن كاهل الناس.
ولقد نص الكتاب العزيز صراحة على أن كل ما حرم هو مفصل فيه، قال تعالي: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}(الأنعام : 119)، وهذا يعنى أنه ليس من حق أحد أن يزيد شيئاً في المحرمات، فإن من يفعل ذلك كأنه يريد أن يستبدل بكلمة (فصَّل) الواردة في الآية كلمة (أجمل)، ولكن ليس من حق أحد أن يرتكب عملاً فيه ظلم للناس مثلا بحجة أنه لم يرد به نص صريح في زعمه، فالظلم من الكبائر المحرمة تحريماً ذاتيا، لذلك فمن المهام المنوطة بأولي الأمور الشرعية والتشريعية بيان ذلك للناس.
————
إن هذا الكتاب هو بالفعل تبيان لكل شيء يلزم الناس من الناحية الدينية ولقد بينت آياته بعضها بعضا، وقد يقول قائل: إن كثيرا من الأحكام الشرعية لم يتضمنها الكتاب وإنما استنبطها (الفقهاء) ، فالجواب هو أن ما استنبطوه ليس بأحكام دينية شرعية وإنما هي أحكام اجتهادية بشرية يلزم أن يأخذ بها الناس من حيث وجوب طاعة أولى الأمر، فإن قيل فما بال الصلاة؟ فالجواب هو أن الكتاب بين للناس أن إقامة الصلاة هي أمر ديني واجب وبين لهم مقاصدها والحكمة منها وأومأ إلى أركانها من قيام وتلاوة آيات الكتاب وركوع وسجود وكذلك أشار إلى أوقاتها ، وأمرهم بطاعة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَr في شأنها، قال تعالى :{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(56)} (النور)، وثمة أمر نبوي واجب






















